نراكم في (الهده)
نشرت في يوم |
18 يونيو 2006 |
في الساعة |
12:20 م |
لو عدت شيئا إلى الوراء لتذكرت ما جرى على حالي من أهوال ومصائب أيام الطفولة السمراء .. لا يمكن أبدا نسيان ذرة واحدة من الابتلاءات !
ففي المرحلة الابتدائية لم نذق طعم الرفاهية ولو بمقدار حبة خردل ..
كان مصروف الواحد فينا (حين كنت في الصف الأول الابتدائي) 50 فلسا ..
كنا نحتار أنا وأخي حسن في هذه العملة اليتيمة .. فسعر (روتية الجبن) 50 فلسا، وسعر زجاجة الكوكا 50 فلسا (مع ضمانة إعادة القنينة إلى المقصف المدرسي) .. يا إلهي .. فإن شرب أحدنا الكوكا فهو محروم لا محالة من السندويشة والعكس كذلك ..
أشار علي أخي حسن بأن نقوم بالتناوب بأن يشتري أحدنا السندويشة والآخر الكوكا ، ومن ثم نقتسم المؤونة ..
كانت السندويشة عبارة عن (روتية + جبن أبو الولد)، وكنا نمسح الجبنة في قطعة الروتي تلك ونعصرها بكل ما أوتينا من قوة حتى تصبح وكأنها (خبز تاوه) .. وكانت هذه عملية كنوع من الموضة انتشرت بين الطلاب الدينصورات بحيث أن البعض كان يضغط السندويشة بزنوده الجبارة والآخر بكفيه الكبيرتين وتصل في البعض أنه يرغب أن يرى السندويشة (ساخنة ومتعرقة) وكأنها للتو خرجت من الفرن .. فلا سبيل لديه لتحقيق ذلك إلا من خلال وضعها تحت (أباطاته) بضع ثوان لكي يضمن أنه لو تأخر لدقيقة لاحترقت السندويشة وسال الجبن منها وخسرها ..
مضى على هذا الوضع فترة من الزمن إلى أن جاء الفرج وهلت البشارة ..
تسربت بعض الأخبار من مصادر سرية بأن ( المقصف المدرسي ) سيقوم بتعويض 25 فلس لكل طالب يسترجع (غرشة فاضية) كنوع من التأمين ..
وهنا بدأنا بحملة (Scaning) شاملة لكل زوايا المدرسة وصفوفها وحتى مراحيض المدرسة قمنا بالبحث بها ..
كنا أنا وحسن واحدة من عدة مجموعات كانت تقتات يومها على هذه المهنة .. وكنا نشعر بالتنافس الشديد فبعضهم من (الشلة الأقوياء) والذين يخافهم غالبية الطلاب وكنا ننعتهم بـ (اللوفرية) .. لذلك فنحن نعتبر صيادين صغار في محيط تتحكم فيه القراصنة ..
تلقينا عدة تهديدات مبطنة بأننا إن لم نتوقف عن منافستهم فسوف نرى مالايحمد عقباه ! لكننا استمرينا بالعمل في هذه المهنة كل يوم بحيث نقضي 25 دقيقة من وقت (الفسحة) في البحث عن (الغراش) ، وتبقى لنا 5 دقائق فقط لنشتري طعامنا بما كسبناه من بعد الجهد الجهيد والمخاطرة بعد تهديدات هؤلاء الحيتان ..
إلى أن جاء ذلك اليوم الأسود ..
وبينما كنا نبحث وقد عثرنا على القليل من القناني ، داهمنا بعض من هؤلاء الطلبة المتمردين (اللوفرية) واعتدوا علينا بالكلمات (النظيفة) ... وأخذوا كل مابحوزتنا ..
بدأت الدنيا تسودّ في أعيننا أنا و أخي حسن ..
ما العمل ؟ قطعوا رزقنا ..
عدنا من جديد لفترة التناوب على السندويشة والقنينة ..
إلى أن بعث الله لنا شخصا ثالثا ..
ناصر أخي ...
دخل معنا في المجموعة ...
وبدأنا في العمل من جديد ..
كنا نخشى في كل لحظة أن يهاجمنا هؤلاء الأوباش مرة أخرى إلا أن الغريب في الأمر أنهم كانوا في بعض الأحيان يمرون علينا وينظرون إلى الخوف الذي يسكن أعيننا .. لكنهم كانوا لايكترثون أبدا !! بل مرة أكثر من مرة كانوا يعطوننا بعض الزجاجات لنكمل إفطارنا بها !!
يا إلهي ما الذي تغير ؟؟
كل ما في الأمر أن ناصر أخي دخل في مجموعتنا .. لا شيء جديد !!
لكن عند اقتراب نهاية العام الدراسي وصلنا إلى حقيقة هذا التغيير وأسبابه !!
(كان ناصر أخي من ضمن المجموعة التي تهاجمنا وكان ذو صيت وقوة يعتمدون عليها في القتال .. فارس مغوار في الهواش ... وحين انضم إلينا علموا باسترتيجية (توازن الرعب) بحيث أن الكفة بدات ترجح ..
لم يكونوا أبدا من المجازفين بالدخول معنا في معركة قد لا تكون مربحة بالنسبة لهم وإن لم يخسروها .. لكن عنفوانهم وكبريائهم لا يتيح لهم أن ينعتوا (بالمصمومين) مطلقا ..
حين اكتشفنا هذه المسألة .. ( انقلبت الآية ) وقمنا نحن بتهديدهم ومهاجمتهم وسلب كل ما بحوزتهم في ذلك اليوم ..
وبدأوا بإعداد العدة للحرب ..
وتواعدنا (في الهدة) على أن يلتقي الجيشان فإما قتل وإما قتال ...
خرجنا ونحن نفتخر بأن (ناصر منا ومن تخلف عنا فقد هلك) !!
وبدأت حرب البسوس .. وبدأت (البوكسات والرفسات ) تتوالى من كلا الطرفين ..
إلا أنني ولصغر سني نأيت جانبا بتوجيهات من الزعيم الروحي أخي الأكبر ووقفت على تلة المتفرجين حتى انجلت الغبرة ..
وحضر مدير المدرسة ليحل المسألة بأي وسيلة كانت ..
بعد هذه الصدامات الدامية التي أودت ببعض الأطراف إلى المستشفى لتلقي العلاج نتيجة بعض الإصابات بجروح وصفت بأنها طفيفة ومتوسطة،
أفقنا في اليوم التالي على القرار الصادر عن إدارة المدرسة : (يمنع منعا باتا بيع زجاجات البيبسي في المدرسة) وتم استبدال الكوكا بعصير (سانكيست) العريق والمقدس
وبدأت ثورات الجياع من جديد ...
يا لثارات الكوكا ..
( فقط أحببت ان أضيف كتذييل )
كان مصروف الواحد منا 50 فلسا حين كنت في الأول ابتدائي ..
وكان العام الدراسي (1983 - 1984 م ) ربما قبل ميلاد البعض منكم
بعد التمرد والعصيان المدني المتكرر بدأنا نضغط على الأسرة وسعوا إلى إدخال بعض الإصلاحات الاقتصادية في ميزانية المصروفات فأقرت الإدارة العامة للشؤون المالية ( في بيتنا ) أن يتم رفع المصروف اليومي لكل منا بنسبة تصل إلى (100%) أي الضعف تماما ..
وهذا يعتبر إنجاز عظيم على مستوى الديمقراطية التي نتمتع بها في محيط دولتنا الصغيرة (بيتنا) ..
وبمجرد انتقالي إلى الصف الثاني وصل مصروف الواحد منا يتراوح بين (100 - 200 فلس) ..
وبدأ الاقتصاد ينتعش شيئا فشيئا حتى وصل المصروف في المرحلة الثانوية إلى 500 فلس .. في عهدي الزاهر ..
والآن بقي لدي أخ واحد في المرحلة الثانوية وهو آخر العنقول يصل مصروفه الآن إلى دينار ..
تابعونا ..
التعليقات 5 |
:: |
