| ||
| مقال أسبوعي ينشر في جريدة الحياة كل يوم أربعاء. |
| ||
عبدالله ناصر العتيبي كتب الزميل الدكتور سليمان الهتلان في مقالته الأسبوعية في جريدة الوطن - الأسبوع قبل الماضي - عن العداء التاريخي المتأصل في نفوس العرب تجاه بعضهم البعض، واستدل الهتلان بامثلة عديدة تمثل حالة الكراهية التي تعشعش في النفوس العربية، وبيّن – مشرحاً – مدخلات ومخرجات علاقة العربي بأخيه العربي. وللمصادفة البحتة (او المدروسة، فلم نعد نعرف جيدا صفاء النفوس من كدرها!!)، أعاد موقع العربية الإلكتروني نشر المقالة، (وعينك ما تشوف إلاّ النور!!)، سالت الدماء وطارت الرؤوس وتقطعت الأوصال واندلعت الحرائق الكلامية ما بين الأخوة العرب، ولا عجب في ذلك، فموقع العربية هو أحد أشهر المواقع التي ينازل فيها عادة الأخوة العرب بعضهم بعضاً، ويتبارزون بشتى انواع الأسلحة المحرمة وغير المحرمة، حتى لتظن وانت تقرأ تعليقاتهم على بعض مواضيع الموقع أن الخليجي قد قتل أب الشامي والشامي استباح مال المصري والمصري استحل دم المغربي!!. من خلال موقع العربية وعلى مدى سنوات ماضية درست جيداً قاموس الشتائم اللغوية في كل الدول العربية تقريباً، فما من موضوع يتم نشره على الموقع إلاّ ويتسابق الأخوة الأعداء على ضرب بعضهم البعض بخوازيق مسمومة!!، وكأنهم قد نذروا أنفسهم للتشنيع بمن يخالفهم بالجنسية. لماذا كل هذا؟ وهل ما يحدث أمر عادي يحصل في (أحسن الأمم)!!؟ أم أنه امتياز عربي فقط؟! هل حالة الكراهية العربية مرتبطة بتقدم التعليم أم هي محصورة فقط في الأوساط التي لم تنل حظاً جيداً منه؟ هل لحالة الغنى والفقر الممتدتين على الخريطة العربية دور في ذلك؟ هل وجود المستعمر الأوروبي في بعض الدول العربية ما قبل منتصف القرن الماضي أثّر على نظرة العربي تجاه أخيه العربي؟ هل يعود سبب القطيعة الاجتماعية العربية إلى اختلاف أنظمة الحكم في الدول العربية؟ هل شعوب الجمهورية بالضرورة، أعداءً لشعوب الملكية؟ هل أفرزت التحالفات الإقليمية في منتصف القرن الماضي جُدر كراهية وعزل ما بين شعوب المنطقة؟! هل ساهم راديو "صوت العرب" في زرع بذرة الكراهية أم انها كانت موجودة قبل تعلّق منظريه باوتار الهواء؟. في رأيي أن مسألة النظر للآخر (وخصوصاً الآخر المجهول) بارتياب أو دونية أو كره، ليست شأناً عربياً خالصاً لا ينازع العرب فيها أمة أخرى من امم الأرض، بل هي جزء من الطبيعة البشرية المبنية على الاحتراز والاحتراس، وكلما زادت كمية الامية والجهل في الأمة كلما تنامت صفاتها الوحشية التي تجعل مفرداتها تنفر من كل من لا يشبهها!. قبل عقود قليلة، ربما لا تتجاوز الخمسة، كان النجدي البدوي عدواً مفترضاً لأي بدوي نجدي آخر من غير قبيلته، وكان القروي النجدي يعتبر أجنبياً في نظر القروي الآخر مع ان المسافة بين قريتيهما لا تتجاوز عشرات الكيلومترات. وكان القروي والبدوي النجديان ينظران بنفس النظرة المملوءة بالمشاعر غير الصحية للبدوي والقروي الحجازيين اللذين يردّان نفس النظرة لهما. وكان النجديون والحجازيون ينظرون بنفس النظرة لعرب الشمال وللمصريين. وكان العرب بشكل عام ينظرون لباقي المسلمين غير العرب بنفس النظرة، والسلسلة لا تنتهي إن أردنا تتبع حلقاتها كاملة، فمثل هذا التجاذب الاجتماعي موجود في كل شعوب العالم، لكن بتباينات وتدرجات مختلفة تتحكم فيها محاور كثيرة مثل الارتباط او عدم الارتباط بمصالح مشتركة و درجة انتشار التعليم و التقدم او التخلف الصناعي وقوة أو ضعف الروابط الاجتماعية (مؤشر الفردانية والجماعة) ووجود تاريخ من الصراع أو التحالف ما بين الشعوب المعنيّة و – وهذا هو مربط الفرس – الأيمان الواعي أو غير الواعي بالمثل الذي يقول: " أنا وأخوي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب"!!، ففي حين يقول هادي الأمة ورسولها حبيبنا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم: " انصر أخاك ظالماً او مظلوماً"، مبيناً من الأخ الذي يجب الالتفات إليه وكيفية نصرته ظالماً او مظلوماً، يأتي هذا المثل بشكل مطلق مكرساً التدافع العمياني ومنمياً الشعور بالحاجة إلى التقوقع الجماعي لمواجهة الأخطار المفترضة كما تفعل الحيوانات (مسلوبة الفهم والتعقل) تماماً. فهم بسيط لحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم سيجعل من المتبارزين على الفضائيات ومواقع الإنترنت أخواناً ينصر بعضهم بعضاً في الاختلافات والملمات على حد سواء. كما أن فهم هذا الحديث العظيم مع فهم الدور الإعلامي النظيف سيجعل من موقع العربية والمواقع الشبيهة حقول زهور لا حظائر حيوانات، وذلك عندما تتوقف عن نشر ما يتجاوز التعليق على الموضوع إلى التعليق بسوء عن كاتب الموضوع أو عن أحد من المعلقين. خلاصة القول أن الكره المتبادل ما بين العرب مرده إلى الغريزة الحيوانية لا أكثر، هذه الغريزة التي تظهر وتختفي بناء على متطلبات موقف ما. فأنا لا أتخيل أن لا يسرع الليبي لنجدة أخيه المصري عندما يتعرض الأخير لمشكلة ما في أحد شوارع مدينة كولون بألمانيا مثلاً، ومع ان هذه الفزعة ترضي (عربيتي) نوعاً ما، إلاّ انها لا ترضي إنسانيتي في مطلقها، لأنها تعيدني من جديد إلى المثل سئ الذكر الذي ذكرته قبل أسطر قليلة!!. | ||
| ||||
| الصفحة السابقة | الصفحة التالية |