| ||
| مقال أسبوعي ينشر في جريدة الحياة كل يوم أربعاء. |
| ||
عبدالله ناصر العتيبي كنت قبل ثلاثة أشهر تقريباً في سيناء المصرية بصحبة صديق لي. كنا نتجول في المنطقة التي كانت يوما ما تحت الحكم الإسرائيلي ونحاول سوياً أن نربط التاريخ بالجغرافيا لنعرف الفرق ما بين الحلم والواقع الإسرائيلي. أدبيات إسرائيل التراثية والمستقبلية ترتكز على رقعة الأرض التي تمتد من النيل إلى الفرات والواقع يقول إن معاهدة كامب ديفيد اخترقت هذه الأدبيات وحولتها إلى أجزاء صغيرة غير قادرة حتى على احتواء "غزة وأريحا". سيناء التي كانت تحت الحكم الإسرائيلي عادت إلى مصر تحت مظلة القاعدة الكبيرة التي تقول:" الأمن أولاً". وأظن أن الجولان أيضاً قد تعود إلى أحضان دمشق تحت مظلة نفس القاعدة لو اقتنع الجانب السوري أن بقاء نظامه غير المنتخب شعبياً أو غير المتوافق عليه تاريخياً ليس مربوطاً بالضرورة باحتلال الجولان. أدبياتنا العربية القديمة التي تقول إنه لابد من الفتن و القلاقل والمشاكل وحالات الطوارئ للحفاظ على بنية الأنظمة ذات الشعبية القليلة لم يعد لها وجود في الواقع اليوم، فحالات الطوارئ ليست صالحة كل الوقت، وليست مناسبة للتعايش مع التحولات التي صارت تتسارع منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) الشهيرة. الأمن أولاً قد يتحقق لسورية على مستوى النظام ولإسرائيل على مستوى الدولة إذا ما عادت الجولان إلى سورية وأظن أن الرؤية اليوم صارت أكثر وضوحاً في إن سوريا لم تعد بحاجة إلى اختلاق مشكلات الأمن القومي الخارجية للحفاظ على نظامها الداخلي، فالانقلابات العربية دخلت من الناحية النظرية في مرحلة غيبوبة سريرية قد لا تصحو منها أبداً. حدود ١٩٤٨ قد تعود إلى الخارطة الشرق أوسطية أيضاً إذا ما أحست إسرائيل أن في ذلك حماية لوجودها الهلامي في المنطقة. هذا حلم واسع وكبير لكنه قد يتحقق يوما ما تحت جناح "الأمن أولاً" بالنسبة لإسرائيل وجناح "خذ وطالب" بالنسبة لنا كعرب. عموماً ليس هذا هو موضوع مقالتي هذا اليوم، اليوم سأتحدث عن كريستينا. وكريستينا بنت أميركية في العقد الثالث من العمر، جميلة جداً ورقيقة جداً وفوق هذا تمتلك روحاً تكاد من شفافيتها أن تخرج من جسدها لتظلل العالم. عنما أنهيت مع صاحبي عملنا في سيناء، اقترح علي أن نزور مدينة البتراء الأردنية لسببين. الأول يتمثل في قربنا منها إذ أن المسافة بين سيناء (منطقة نويبع تحديداً) ومدينة العقبة الأردنية لا تزيد عن خمسة وأربعين دقيقة بالعبارة البحرية، والثاني هو فوز مدينة البتراء بالمركز الثاني على قائمة عجائب الدنيا السبع في التصويت الأخير الذي أجري لتجديد هذه القائمة. حملنا أمتعتنا وتوجهنا نحو ميناء نويبع ونحن في قمة نشاطنا، إذ أن التذكرة التي قطعناها على السفينة تقول أن السفينة ستمخر عباب البحر ( في منظر ساحر وجميل!!) الساعة الثانية ظهراً الأمر الذي ساعدنا على أخذ كفايتنا من النوم. وصلنا الميناء الساعة الحادية عشرة ونحن خائفون أننا تأخرنا عن موعد دخول صالة السفر، لكن الدم عاد للجريان بشكل طبيعي في عروقنا حينما عرفنا أن الدخول إلى الصالة سيكون في الساعة الثانية عشرة. انتظرنا في مقهى قريب نرقب حركة الناس والبضائع حتى حان الموعد المحدد للدخول فحملنا أمتعتنا من جديد وتوجهنا إلى البوابة الرئسية، لكننا بدلاً من أن نصطف بهدوء أمام البوابة تعرضنا إلى هجوم كاسح ومفاجئ من الركاب الآخرين لدرجة أنني أضعت صاحبي في أول الأمر ووجدت صعوبة شديدة في الشعور به بجانبي (أقول الشعور به لأنه لم يكن مسموحاً لي بسبب الزحمة أن استخدم نعمة النظر ، إذ لم يتح لي تحريك رقبتي يميناً أو يساراً!!). قلت لصاحبي: لا يهم، سيفتحون البوابة الآن وندخل إلى الصالات المكيفة ونرتاح من هذه (الإرباكة) المفاجئة التي يبدو أنها حصلت بسبب غياب المشرف المسؤول عن البوابة لأمر طارئ جداً. انتظرنا أمام البوابة تحت الشمس الحارقة (منتصف أغسطس) لدقائق، ثم لربع ساعة، ثم لنصف ساعة، ثم لساعة، ثم لساعتين. بدأت الشمس شيئاً فشيئاً تذيب أدمغتنا وقبل أن تتحول إلى الشكل السائل (سترها ربنا) وفُتحت البوابة، وتدافعت من جديد الأجساد والشنط باتجاه الصالة. وفي الصالة تم عمل إجراءات الخروج لنا وأُمرنا بالبقاء لحين وصول السفينة من ميناء العقبة. قلت لهم أن موعد انطلاق رحلتنا كما هو مكتوب على التذكرة التي دفعنا فيها سبعين دولاراً أميركياً هو الساعة الثانية ظهراً، فلماذا يتم تأخيرنا الآن (لدقائق) عن الموعد المحدد، ضحك الموظف المسؤول ولم يجبني. حملت نفسي وذهبت لصاحبي وتفاجأت به يستخدم قطعة كرتونية كأداة تكييف!! التفت إلى أجهزة التكييف فوجدتها معطلة عن العمل! قلت لا بأس سننتظر لدقائق إلى أن تصل السفينة. انتظرنا ساعة، ساعتين، ثلاث... لم تصل السفينة ولم نُبلغ بالموعد الجديد لانطلاق الرحلة (الساحرة الجميلة!!). بدأت الاحتجاجات تظهر هنا وهناك، وكانت أشد ما تكون في الجانب الذي يوجد به عدد من الغربيين السياح الذين يبدو عليهم أنهم أيضاً يقصدون (مثلنا) مدينة البتراء. ذهبت من جديد لمسؤولي الأمن لسؤالهم عن الرحلة، لكن الأجابة القاطعة وصلتني فبل أن أصل إليهم: إرجع مكانك وإلا حنتعبك معانا!! رجعت إلى مكاني خوفاً من أن أتعب معهم، ووضعت يدي على خدي بانتظار ما سيتجمل به القدر علينا. في غمرة هذا اليأس الذي طال الجميع قامت فتاة أميركية عرفت فيما بعد أن اسمها كريستينا باختراع الألعاب للمسافرين لأبعاد الملل والكآبة عن وجوههم. شاركها أول الأمر أبناء جلدتها ثم شيئاً فشياً بدأت الجموع العربية في المشاركة في اللعب، ولم تمض دقائق قليلة حتى رأيت صاحبي المتذمر من الوضع، الذي لم يتوقف عن الشتم والسب طوال فترة (احتجازنا)، رأيته يقفز بابتهاج على الحبل الممدود بين يدي كريستينا وجين. تغير الجو العام للصالة بسبب كريستينا التي استطاعت أن تقلب تذمرنا ومللنا إلي لحظات ممتعة ولذيذة، وتمكنت وهي البنت العشرينية من أن تحول كل الأعمار في الصالة إلى ما دون العاشرة بقليل بما فيها عمري وعمر صاحبي. جاءت السفينة المنتظرة الساعة العاشرة وأبحرنا في الساعة الثانية عشرة ووصلنا العقبة الساعة الواحدة. وهناك تعرضنا لنصف ما تعرضنا له في ميناء نويبع، لكننا تعاملنا مع الوضع على طريقة كريستينا حتى من دون أن تدعونا كريستينا نفسها لفعل ذلك. صحافي وكاتب سعودي ano@alhayat.com | ||
| ||||
| الصفحة السابقة | الصفحة التالية |