| ||
| مقال أسبوعي ينشر في جريدة الحياة كل يوم أربعاء. |
| ||
|
عبدالله ناصر العتيبي بعض الأخوة الكتاب السعوديون الذين يصنفون أنفسهم ضمن التيار الليبرالي، يعتقدون أنه لكي تكون ليبرالياً، يجب أن تقف دائماً موقف الضد من الطرح السلفي أو الأخواني أو المتأسلم بشكل عام. يظنون أن مبدأ الليبرالية لا يستقيم إلاّ عندما يُعارض كل المبادئ والأسس والمفاهيم التي ينادي بها المحافظون!. يظنون أن استعداء المتأسلمين ونفي السلفيين والأصوليين إلى المعسكر الخصم هو المبرر الأول لوجودهم. يظنون أن وجودهم مرتبط بمعركة يجب أن تطول وخصومة لا ينبغي لها أن تزول. ويظن بعضهم، أو لأكن أكثر تحديداً، تظن بعضهن أن الليبرالي لا يكون ليبرالياً حقيقياً إلاّ عندما يدعو إلى كشف وجه المرأة وحق المرأة في الاختلاط ويبدأ بأهل بيته!! وإلا فهو ليبرالي مندس على زمرة الليبراليين والتقدميين!!. في الشهر الماضي، سن (بعض الليبراليون المحليون) أقلامهم، وشحذوا هممهم، وجمعوا قواهم من اجل مهاجمة متدينين أصدروا بعض الفتاوي التي لم تستقم مع فهم الواقع و طبيعة الأنظمة الإعلامية أو حتى تلك التي نُقلت بشكل مجتزأ من قبل بعض القنوات الأجنبية!!. اتفق الكتاب الذين (يصنفون أنفسهم) ضمن التيار الليبرالي على المهاجمة الجماعية معتمدين على مبدأ استغلال الفرصة و تصيد الأخطاء من أجل الإيقاع بخصومهم التاريخيين. من هذه الفتاوي فتوى الشيخ محمد صالح المنجد المتعلقة بقتل "ميكي ماوس" التي نقلها إلى العالم مركز إسرائيليي متخصص في رصد ما يدور في الإعلام العربي، ثم صُدّرت إلينا من الخارج عن طريق بعض القنوات الإعلامية الأمريكية!!، و تم التعامل معها من قبل بعض الليبراليين المحليين على أنها غلطة (سلفية) كبرى لا ينبغي لها أن تمر مرور الكرام من غير أن يكشف سوءها ويُبيّن مدى ضعف موقف قائلها!. الحكاية من البداية تقول إن الشيخ المنجد قال في لقاء معه في قناة المجد أن بعض الشخصيات الكارتونية العالمية تسهم في إدخال بعض العادات السيئة والمفاهيم الخاطئة إلى عقول أبنائنا، وتطرق في سياق حديثه إلى بعض الأمثلة وذكر الفأر "ميكي ماوس" تحديداً، ثم راح يذكر المشاهدين بأن الفأر يعتبر أصلاً من ضمن الفواسق الخمس التي أمرنا بقتلها المصطفى محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، فكيف ندع أبناءنا يجلسون أمام مغامرات الفأر ميكي (الذي هو قذر في صورته الحقيقية) بالساعات، كيف ندعهم يتعاملون معه بناء على النظرة الغربية التي تجلّه وتقدره وتعلي من شأنه. هكذا كان سياق حديثه ومجراه. لم يبح قتل ميكي ماوس ولم يهدر دمه، ولم يتفوه أصلاً بأية فتوى رسمية تتعلق بالفأر ميكي، وفوق هذا لم يعارضه حينها أحد من إخوتنا الليبراليين المحليين، لأن الراصد المحلي في ذلك الوقت لم يجد في كلامه ما يستدعي التصعيد. بعد أيام من كلام الشيخ المنجد، أطلق أحد المراكز الإسرائيلية المتخصصة في رصد الإعلام الإسلامي تقريراً يقول إن شيخا سعودياً يدعو لقتل الفأر ميكي ماوس!!. هكذا وبدون تمحيص وتدقيق، ظن الإسرائيليون ربما بسبب الترجمة أو الاجتزاء المخل لنص اللقاء أو عن سابق إصرار وترصد أن الشيخ السعودي يريد من المسلمين أن يقتلوا شخصية كارتونية!. تناقلت هذا التقرير وسائل الإعلام العالمية والأميركية تحديداً مصحوباً بعبارات التهكم والاستخفاف، ثم جاءنا على ظهر الترجمة من جديد (تُرجم في البدء من العربية إلى العبرية ثم إلى الإنجليزية ثم إلى العربية من جديد) ليتناوله عدداً من الكتاب المحليين متهكمين وساخرين من الشيخ وفتواه!!. الطفل الصغير الجاهل يعرف أن القتل لا يتوافق مع الشخصية الافتراضية لميكي ماوس، فكيف بشيخ يؤمه آلاف الناس للاستفتاء!. الطفل الغر يعرف ذلك، ويعرف أن من هو في علم الشيخ المنجد لا يمكن أن يقع في مثل هذه التسطيحات المضحكة، لكن (المتلبرلين) على الجانب الآخر لا يعرفون!!. يعرفون فقط أن الليبرالية تتمثل في استغلال الفرص من أجل الوقوف موقف الضد للجدار الذي يحمي وجودهم (بمعنى انه لو لم يكن هناك متأسلمين لما كان هناك ليبراليين.. وكي أكون منصفاً فإن العكس صحيح أيضاً في حالة المتأسلمين الذين يؤمنون بضرورة وجود الليبراليين على أرض الواقع لضمان وجودهم). إحدى الأخوات المتلبرلات كتبت قبل شهور مقالاً تتحدث فيه عن خيبتها من بعض الليبراليين السعوديين الذين يدعون للتحرر من بعض القيود التي تقيد المرأة، فيما هم يفرضون هذه القيود على زوجاتهم وأخواتهم، مثل الدعوة إلى كشف الوجه والاختلاط. هذه الأخت (التي تكشف شعر رأسها وهي تعرف أن كشف شعر الرأس حرام) تظن أن مجرد الموافقة على أمر معين في موضوع معين يوجب الالتزام به، وفات عليها أن هناك فاضل ومفضول وفضل وفضل أعلى ودرجة ودرجة أعلى. هي كمتلبرلة توهم عامة الناس أن كشف الوجه واجب الحدوث وأن تغطيته من جاهليات العصر، وفي هذا تزييف لحقيقة الليبرالية بالدرجة نفسها من التزييف الذي يصاحب بعض الطروحات التي تدعو إلى تغطية الوجه وتعتبر أن كشفه تبرجاً وسفورا (شخصياً أرى أن كشف وجه المرأة جائز لكن الأفضل لها تغطيته اقتداء بنساء النبي رضي الله عنهن أجمعين).
الليبرالية الحقيقية لا تنحصر فقط في مخالفة المعسكر الآخر والوقوف ضده على طول الخط ، وليست المطالبة بما يتماشى مع الرغبات الشخصية التي تتعارض مع الدين الإسلامي، بل تتمثل في كسر الطبقات التي تراكمت على جوهرة العقيدة الإسلامية عبر مئات السنين. الليبرالية الحقيقية هي العملية التي بموجبها يتم التخلص من القيود التي ما أنزل الله بها من سلطان. الليبرالية الحقيقية هي العمل الدؤوب على الموائمة والملائمة والمقاربة ما بين موروثات الدين الإسلامي وتغيرات الحداثة. الليبرالية الحقيقية هي الإخلاص للمبدأ دون الالتفات لأعداء المبدأ. هذه هي الليبرالية الحقيقية، أما التبسيط المخل لمفهوم الليبرالية الذي يمارسه المتلبرلون المحليون كما في المثالين أعلاه فهو ما جعل الكثير من عامة الناس غير مؤمنين بالطرح الليبرالي الحقيقي، الأمر الذي سيبقي الليبراليين الحقيقيين القلة في الظل طويلاً طويلا. كاتب وصحافي سعودي ano@alhayat.com | ||
| ||||
| الصفحة السابقة | الصفحة التالية |