عبدالله.. ولكن في حدود ضيقة الرئيسة | الملف | الارشيف | الاصدقاء | عبدالله أيضاً
مقال أسبوعي ينشر في جريدة الحياة كل يوم أربعاء.

بدو "القرن الواحد والعشرين"الاثنين 19 يناير 2009

أخيراً، وبعد ضغوط قبلية قرر تلفزيون أبو ظبي إيقاف المسلسل التاريخي البدوي «سعدون العواجي»، بعد ان عرض منه ثماني حلقات فقط، المسلسل الذي يحكي قصة أحد الزعماء القبليين الذي تعرض لحملة منظمة في الصحف المحلية، وعلى شبكة الانترنت بهدف منع عرضه بحجتين رئيستين، الأولى: «على نياتها»، والثانية: «على نياتنا»، الحجة الأولى تقول «إنه سيحيي من جديد النعرات القبلية وسيُظهر على السطح خلافات قديمة بين قبيلتين عربيتين عريقتين هما «شمر وعنزة»، الأمر الذي قد يسهم في تجدد الخلاف بينهما، وبالتالي تعريض اللحمة الوطنية إلى الخطر»، أما الحجة الثانية التي «على نياتنا» فتنص على «أن المسلسل لا يحكي الحقيقة «النسبية» التي توارثها المحتجون كابراً عن كابر، فهم يرون أن «فلاناً بن فلان» هو الذي قتل «علاناً بن علان» وليس كما يظهر في المسلسل أن «علاناً بن علان» هو الذي قتل «فلاناً بن فلان»!

الحجتان الظاهرة والباطنة هما ما سأناقشهما في هذا المقال بعيداً عن السبب الرئيس الذي أثارهما وهو المسلسل نفسه، فالواضح أن القائمين على المسلسل لم يقصدوا من وراء هذا العمل أن يثيروا في النفوس «القبلية» وغير القبلية، التخرصات والتشكيك والطعن في النيات وإعادة محاكمة التاريخ، وإنما كانوا يهدفون بالدرجة الأولى إلى الكسب المادي، خصوصاً بعد نجاح عدد من الأعمال البدوية في السنة الماضية من حيث نسبة المشاهدة، ولم يدر في خلدهم نهائياً «كما بدا من استغرابهم من توقيف المسلسل» أية مشكلات قد يثيرها عرض هذا النوع من المسلسلات تلفزيونياً.
الحجة الأولى: تُمثل بالنسبة لي مشكلة كبرى، وإن كانت في ظاهرها ذات جانب مسؤول وإيجابي، فالخوف من إحياء الخلاف وإثارة النعرات القبلية من جديد يثبت لنا أن المجتمع - على رغم ظاهره المدني - ما زال يعمل بعقلية القبيلة... لست أفهم - ونحن نعيش في القرن الحادي والعشرين - معنى أن تتخاصم قبيلتان كبيرتان على حقيقة تاريخية صحيحة أو غير صحيحة أثارها «منتج ما» في مسلسل ما؟ ولست أفهم - ونحن الذين تخرجنا في أعرق الجامعات - كيف يمكن أن يختصر الإنسان نفسه في قبيلة ما، ليتحدث مشايخها ونوابها بالنيابة عنه؟ لست أفهم - ونحن نعيش في زمن الأنترنت والجوال - كيف يتحاور اثنان في إحد المنتديات الإلكترونية ويتشاتمان ويرميان بعضهما البعض برديء القول لمجرد أن أحدهما ذكر قصة قبلية قديمة لم ترق للآخر؟
كانت القبيلة، قبل العهد السعودي بمثابة الدولة، فهي التي تحمي وتهب، وتنظم البناء الاجتماعي لأفرادها، وبالتالي كان لزاماً على كل المنتمين لها أن يأتمروا بأوامر زعيمها ونواهيه، يغزون إذا ما أمرهم بالغزو، ويرشدون إذا دعاهم إلى الرشد، «وما أنا إلاّ من غزية إن غزت غزوت/ وإن ترشد غزية أرشد»، وكان النظام القبلي السائد لا يقبل باختلاط الأعراق القبلية إلا في ما ندر، فكل قبيلة عبارة عن حشد بشري ينحدر في العادة من جد واحد، ويوجد أفرادها في رقعة معينة من الأرض لا ينازعهم فيها أحد، لها حدودها البائنة، ومساحتها المعروفة، وكان لزاماً على كل فرد من أفراد القبيلة أن يحمي وجوده المتمثل في وجود القبيلة.
ومع تأكيدي أن هذا التشكيل الاجتماعي كان واجب الوجود في وقت مضى بسبب انعدام الأمن وحاجة الناس إلى منظومة ينتمون إليها حتى وإن كانت بدائية جداً، أرى أن بقاءه الآن في ظل وجود دولة مدنية يعتبر هادماً للكثير من المُثل الاجتماعية، ومعيقاً للتطور الفردي والاجتماعي على حد سواء، إضافة إلى أن التشكيلات البدائية المتمثلة في القبيلة أو العشيرة تتصادم بشكل أو بآخر مع أهم شروط المدنية الذي ينص على استقلالية الفرد من حيث أدائه لواجباته واكتسابه لحقوقه.
إن خضوع الفرد للوصاية القبلية في الوقت الحالي يتعارض بشكل أساسي مع وجوده في منظومة خاضعة لحكم القانون، فبدلاً من أن يكون القانون هو الحامي له، تصبح قبيلته- من وجهة نظره - هي الجدار الذي يستند عليه في الملمات، وفي هذا تعطيل لمبدأ الرؤوس المتساوية أمام القانون، وبالتالي نفي المدنية أيضاً إلى الخارج!
مع اعتزازي الكبير بالقبائل العربية، وقبيلتي خصوصاً، أرى أن تطورها الحقيقي والمنطقي يتمثل في مسايرتها للعصر والتشكل بما تقتضيه البناءات الاجتماعية الحديثة، التي تتسق وتتفق مع الحاجات والضرورات الحياتية التي نشأت نتيجة للنظم العالمية المتكونة في بداية القرن الماضي، بقاء القبيلة بهذا الشكل الذي نلمسه الآن والمتمثل فقط في اجترار التاريخ والتغني به وإهمال الحاضر والدعوة إلى تكريس الانتماء القبلي سيوّلد مع اطراد الوقت كائنات مشوهة تحمل «اللابتوب» في يد وسيف القبيلة في اليد الأخرى!
حجة منع المسلسل الثانية التي «على نياتنا» ليست مسؤولة وليست إيجابية بالمرة، فالتخوف الذي كان يظهره أصحاب الحجة الأولى كان بسبب الجهل الذي يعتمل في رؤوس أصحاب الحجة الثانية، الذين راحوا ينبشون التاريخ من جديد ليثبتوا أن أجدادهم كانوا هم أصحاب الطعن والقتل، وليس من صورهم المسلسل بهذه الصورة!
في رأيي أن وجود هذا النوع من الناس - أعني أصحاب الحجة الثانية - يعود إلى تغلغل الفكر البدوي في حياتنا المدنية حتى الآن ولو بشكل ضئيل، هذا الفكر القائم على مبدأ الصراع من اجل البقاء، والذي أعيد - وأكرر كان مبرراً ولو جزئياً في ما مضى - لكن لا مكان له الآن على أرض الواقع.

التدوينة من  38  إلى  119
الصفحة السابقة | الصفحة التالية
أخبار | العاب | المرأة | طالبات | الجامعات | برامج اسهم | بريد | فيديو | تداول | مواقع | منتديات | توصيه | جوال | مدونه | دليل | رساله | رياضه | سيارة | شات | قروبات| منتدى | نوكيا | رمال